مراجع الايزوتيريك

منذ منتصف القرن العشرين، قرر كبار الحكماء، أسياد “الأخوية البيضاء العالمية”، ضرورة نشر الايزوتيريك علنا، وذلك بواسطة أشخاص كانوا قد كرسوا أنفسهم لهذا العمل المقدس. أما أسلوب النشر، فكان يعتمد أساسا على مخطوطات الايزوتيريك القيمة وعلى التجربة الشخصية. بمعنى أن المعلم أوالطالب الذي يرغب في تقديم الايزوتيريك الى الآخرين، وجب عليه أن يسير على الدرب الباطنية، درب الوعي والتطور بنفسه،

 ومن ثم ينقل معرفته وخبرته الى اخوانه ابناء البشر. اذ أن مجرد الاطلاع على علم الايزوتيريك ومن ثم نقله الى العامة، كان أمراً محظوراً. لأن الايزوتيريك علم يعتمد اعتماداً كلياً على التطبيق العملي، وكذلك على الخبرات الشخصية التي يكتسبها السائرون على درب معرفة الذات، أو درب قدر البشر!

وهكذا بدأت المنشورات والكتب، والمقالات بالظهور بشكل وافر بُعَيْد منتصف القرن العشرين. وجميعها تتحدث عن علم الايزوتيريك الخالص، أي العلوم الخافية التي لم يكن يسمح بنشرها أوحتى الاطلاع عليها. وذلك بعدما قرر القيمون على هذه العلوم أن الوقت قد حان لنشرها علناً… فالبشرية، بوجه عام، ما زالت تتخبط بالجهل… خصوصا وأن حرية الاختيار قد تُرِكتْ لها في انتقاء المصير الذي تريد، في الوقت الذي تشاء !
وهكذا بدأ الايزوتيريك يرى طريقه الى النور معتمدا ليس فقط على ما جاء قديما في المخطوطات المقدسة، بل أيضا على خلاصة ما اختبره وطبّقه وعاشه أولئك الحكماء، كبار أسياد المعارف الروحية، وكل من سار على ذات الدرب المقدسة.

تاريخ الايزوتيريك

ابتدأت هذه العلوم الباطنية بالانتشار، بادىء ذي بدء، من الشرق الأقصى، حيث حفظها أسلاف الحكماء الكبار في أماكن نائية لا تطالها يد البشر. ومن هنالك انطلق ما عُرف ب”الأخوية البيضاء”. فكان على كل من شاء اكتساب معرفة الانسان بسائر فروعها، ان يتدرج بالمعرفة والتجارب والتطور الذاتي…

حتى ينتهي به المطاف في الشرق الأقصى، حيث يُسمح له بالتعرّف، ومن ثم الاطلاع على شتى العلوم الباطنية. وبعد أن “يتخرّج” من تلك الجامعة الأم، يضحي من واجبه أن يحذو حذو معلميه… أي أن ينطلق في الأرض ليوعي أخاه الانسان ويرشده الى درب الحق!

بهذه الوسيلة ابتدأ علم الايزوتيريك يشق طريقه خارج اسوار الشرق الأقصى، منذ قديم الزمان. لكنه، حيثما تواجد، بقي سريا لا يُسمح بالاطلاع عليه الا للطلاب الحقيقيين، أولئك الذين يهدفون الى التكامل الانساني والعودة الى كنف الخالق، بموجب المخطط الالهي الذي حدد مسار العودة.
وانتشر علم الايزوتيريك في سائر أقطار العالم، انما بوسائل خفية أومتنكرة في معظم الأحيان، نظرا للظروف السياسية التي كانت تسود بلدانا كثيرة. فقد ظهر علم الايزوتيريك في الشرق الأوسط عبر العلوم الدينية الالهية… وفي الشرق الأدنى في علم الفراسة، وتوارد الأفكار، والقوى العقلية الغامضة… وظهر في اليونان عبر علم الأعداد، والهندسة، والفلسفة… وفي مصر القديمة من خلال سر الخلود وسر البناء. وأيضاً بواسطة “السحر” أوالسيطرة والتحكم بالعوامل الطبيعية… وفي بلاد ما بين النهرين عبر علم الفلك والتنجيم، وأسرار الفضاء… كذلك في بعض البلدان الأوروبية عن طريق علم النفس وعلم الكَلِم… كما ظهر في القارة الأميركية من خلال التحكّم بالعناصر الطبيعية، والسيطرة على الحيوانات… فما من بلد لم يظهر في تاريخها علم الايزوتيريك بشكل أو بآخر.
لكن الحقيقة تقول أن كل ما جاء ذكره، كان أشبه بأقنعة لعلم الايزوتيريك… أقنعة متنوعة كانت كلها تخفي هذا العلم الواسع، إن عَلِم الانسان بذلك أم لم يعلم !
وبالرغم من هذا التوسع والانتشار أثناء العصور القديمة، بقي العلم الحقيقي، علم باطن الانسان، خافيا… ولم يبارح مقره الأصيل الا بسرية تامة، حتى دخول العصر الحالي.

واقع الايزوتيريك

في القدم، كان الايزوتيريك، أوعلم الذات الباطنية، الشغل الشاغل لكل من وطأ الأرض وعاش عليها. اذ أن معرفة الانسان لنفسه هي المعرفة الوحيدة التي كان يتوق اليها الكائن البشري، ويسعى جاهدا لاكتسابها.
منذ ما دبّ الانسان على الأرض، بدأ هذا الشعور الداخلي يستيقظ – شعور التوق الى معرفة مكنونات نفسه.

  وعلى مرّ الزمن، استمر هذا الشعور ينمو حينا ويخبو أحيانا أخرى، تبعا لثقافات وحضارات الشعوب التي ازدهرت بها الأرض. لكن جوهر هذا الشعور لم يتغير، بل بقي ذاته في النفس الانسانية.

وكان انسان الماضي السحيق يدرك ضمنيا أن معرفته لنفسه ستشمل معرفة الطبيعة والكون. لذلك اكتفى انسان تلك الازمنة الغابرة بالسعي الحثيث لمعرفة نفسه، تلك المعرفة التي ستؤهله لدراية وادراك كل ما حوله.
لكن مسيره على درب المعرفة لم يدم طويلا… فقد حاد الانسان عن المسار السليم الذي كان ينتهجه في غابر الأزمان، لذا استحالت عليه معرفة نفسه، تلك المعرفة الأسمى قداسة والأرقى شمولية، اذ أنها المعرفة الروحية ذاتها !
وبعدما أدرك الانسان عجزه عن معرفة نفسه – كونه تخلّى عن المنهج الانساني الصحيح – راح يبحث عن معرفة ما يقع عليه بصره وما تطاله يداه، أي معرفة الطبيعة والمادة، معرفة المنظور والملموس. وكذلك حاول الإلمام بعلم النجوم والكواكب والأفلاك… وكان ذلك بداية ابتعاده الحقيقي عن نهج ذاته، وبالتالى شروده عن الدرب المستقيم الذي كاد يوصله الى الهدف الذي وُجد لأجله، لولا انقياده الأعمى وراء الرغبات المادية، والشهوات الجسدية، التي لم تكن الا لتسجن روحه، وتقيد انطلاقتها نحو الألوهية السامية.
ذلك كان بدء الخروج عن الدرب القدرية التي رسمها المخطط الالهي، والتي كادت توصل الانسان الى كنف الخالق.
بالرغم من ذلك، بقي الانسان يشعر، ضمنيا، بضرورة معرفة نفسه، والتعمق في أسرار ذاته… ممّا جعل شعوب العالم تبتدع العلوم والمعارف العديدة والمتنوعة التي تدور في فلك الانسان. لكن ما من علم استطاع أن يسبر غور الانسان، ويتعرف الى كنهه. فالانسان نفسه كان بعيدا كل البعد عن فهم ذاته. كان يسعى لمعرفة المادة والتعمق في تركيبها فحسب، وقد انساق فعلا وراء زيفها، واستسلم لقيودها وحبائلها… ظنّا منه أنها المعرفة الحقة والوحيدة.

لمحة خاطفة

استذوق الايزوتيريك في علم الحياة وفن العيش… استذوقه في كيفية ازالة النقاب عن الغوامض… فتنكشف الاسرار التي حيّرت المفكرين ابد الدهر!… تنكشف في تقنية ذاتية تطبيقية، قاعدتها السهل الممتنع في تبسيط هذا العلم الانساني النبيل.
قراءة الايزوتيريك عمق ورفاهية… حكمته منطق في قوة الفكر العملاني، في صدق العاطفة، في دقة العلم، وفي المظاهر الحياتية التي نصادفها في مشاغلنا وفي معيشتنا اليومية.

كتب احدهم ان المدهش في الايزوتيريك وانت تطلع على مجموعة مؤلفاته المتنوعة… تشعر وكأنك في بستان ثمار واطايب الزهر… تتذوق وانت تنتشي بالشذا… فتارة تتذوق ادب الرواية، رهافة القصة، وشفافية الشعر الباطني والنثر البديع… وتارة اخرى تتذوق الاسرار الانسانية والكونية… وجميعها هادفة، جميعها ترقرق الفكر، جميعها تحاكي القلب وتنبض في الوجدان. لأنها تهدف الى التسامي بالانسان.